القاضي عبد الجبار الهمذاني
463
شرح الأصول الخمسة
وجوابنا ، إن اليأس المذكور في الآية ، إنما هو إنكار الجنة والنار ، فأكثر ما تتضمنه الآية أن الفاسق لا ينكره ، ونحن لا نقول إنه ينكره ، فلا يصح التعلق به . فإن قيل : إن هذا تخصيص من دون دلالة ، قيل له : إنا خصصناه بذلك للأدلة الدالة عليه ، وهي عمومات الوعيد . فإن قيل : إن هذه الآية ليس بأن تحمل على عمومات الوعيد أولى من أن تحمل عمومات الوعيد على هذه الآية ، فيجب أن يتوقف فيهما ، فقد وقف القولان موقفا واحدا . قيل لهم : إن الدلالة قد دلت على أن الفاسق ييأس من رحمة اللّه يوم القيامة لا محالة ، فلم يكن بد من أن يحمل اليأس المذكور في الآية على إنكار الجنة والنار ، ففسد ما قالوه . وقد قالت المرجئة : لو أمكن الاستدلال بعمومات الوعيد والأخذ بظاهرها لأمكن مثله في قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ فلو أخذتم بذلك ، وأجبتم إلى هذا الكلام لزمكم القول بأن من لم يحكم بما أنزل اللّه فهو كافر ، وذلك دخول في مذهب الخوارج ، وأنتم لا تقولونه ولا ترضونه مذهبا . قيل له : إنما خصصنا هذه الآية لدلالة دلت عليه وحجة قامت به ، ولم تقم مثل الدلالة في عمومات الوعيد ، وليس يجب إذا خصصنا عاما لدلالة اقتضته ووجه أوجبه ، أن نخص كل عام في كتاب اللّه تعالى ، وإن لم تقتضيه دلالة . وبعد ، فإن قوله بِما أَنْزَلَ اللَّهُ عام ، كما أن قوله : « وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ » عام ، فيقتضي ظاهر الآية أن كل من لم يحكم بجميع ما أنزل اللّه فهو كافر ، ونحن هكذا نقول ، فعلى هذه الطريقة يجري الكلام في هذا الباب . فصل في الشفاعة ووجه اتصاله بباب الوعيد ، هو أن هذا أحد شبه المرجئة الذين يوردون علينا طعنا في القول بدوام عقاب الفساق . وجملة القول في ذلك ، هو أنه لا خلاف بين الأمة في أن شفاعة النبي صلى اللّه عليه وسلّم ثابتة للأمة ، وإنما الخلاف في أنها ثبتت لمن ؟ فعندنا أن الشفاعة للتائبين من المؤمنين ، وعند المرجئة أنها للفساق من أهل الصلاة . ونحن قبل الاشتغال بالدلالة على صحة ما اخترناه من المذهب ، نذكر الشفاعة .